ابن بطوطة
212
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
والفضائل العظيمة ، وكفاه شرفا انتماؤه لخدمة الحرمين الشريفين ، وما يفعله في كل سنة من أفعال البر التي تعين الحجاج من الجمال التي تحمل الزاد والماء للمنقطعين والضعفاء وتحمل من تأخر أو ضعف عن المشي في الدربين المصري والشامي . وبنى زاوية عظيمة بسرياقص « 120 » خارج القاهرة . لكن الزاوية التي بناها مولانا أمير المؤمنين ، وناصر الدين ، وكهف الفقراء والمساكن ، خليفة اللّه في أرضه ، القائم من الجهاد بنفله وفرضه ، أبو عنان ، أيد اللّه أمره وأظهره ، وسنى له الفتح المبين ويسّره ، بخارج حضرته العلية المدينة البيضاء « 121 » حرسها اللّه لا نظير لها في المعمور في إتقان الوضع وحسن البناء والنقش في الجص بحيث لا يقدر أهل المشرق على مثله ، وسيأتي ذكر ما عمره أيده اللّه من المدارس والمارستانات والزوايا ببلاده حرسها اللّه وحفظها بدوام ملكه .
--> ( 120 ) سرياقص ( SIRYAQUS ) على بعد ثمانية عشر كيلوميترا شمال القاهرة ، كانت في تلك الظروف إقامة مفضلة بضواحي القاهرة للسلاطين والأمراء . . . ( 121 ) القصد بالزاوية إلى المؤسسة الحضارية الكبرى التي شيدها السّلطان أبو عنان عام 754 - 1353 بضاحية المدينة البيضاء ، فاس الجديدة على الضفة الشمالية لوادي الجواهر شيدها برسم استقبال الواردين لإيوائهم والقيام بشؤونهم وربما عرفت بدار الضّيفان ، ولئن الت اليوم إلى اندثار ، مما أدّى إلى جهلها من قبل الّذي اشتغلوا بابن بطوطة ، فإن ابن الحاج النميري في كتابه ( فيض العباب ) يصفها باسهاب ، وبدورنا نفضل أن نعيد هذه الصورة الجميلة إلى الأذهان اليوم إشادة وتنويها بها ، لقد كانت شامخة البناء منفسحة الساحة مبيضة المظهر يقوم في قبليّها جامع زيّن سقفه ببدائع الزخارف ، وتقابله في الشمال - قبة سامقة ازدوج فيها الحسن الباطن مع الجمال الظاهر من عمل المنهدس محمد بن جدار وتدور بالزاوية - من جهاتها الأربعة - مساحات بديعة الاختراع متقابلة الأشكال والأوضاع ، قامت أساطينها كأنها عرائس تجلى ، كما يقول ابن الحاج الذي زارها عام 758 ه . وقد امتد من الجامع إلى القبة صهريج بديع الطول والعرض ينتصب على حافتيه أسدان مصوران من الصفر ، ليقذفا من أفواههما الماء النازل للصهريج . وفي كل ركن من أركان الزاوية باب ينفذ إلى دار بديعة البناء متناسبة الأجزاء ، مكتملة المنافع ، إلا الباب الواقع في الشمال الغربي فإنه يشرع إلى دار وضوء مستوفية المرافق ، والديار الثلاث : إحداها لامام الصلاة ، والأخرى للقائم بالآذان والتالثة للناظر في الأوقاف الذي كان محمد بن عبد اللّه بن أبي مدين . وتتصل الزاوية دار معدة لاستقبال الواردين ، مفتحة أبوابها لنزول القاصدين تقابلها دار أخرى برسم الطبخ وعلاوة على السّانية التي قامت بإزائها لتزويدها بالماء نصب على وادي الجواهر دولاب يضاعف كميات الماء حيث يتفرغ في قناة واصلة إلى الزاوية إلخ . وقد استمرت الزاوية المتوكلية قائمة حتى صدر المائة الهجرية الحادية عشرة حيث سجل المقري الكتابة المرقومة عليها في نتفة شعرية من نظم الكاتب أبي عبد اللّه ابن جزي . . . وأعتقد أن زلزال نونبر 1755 محرم 1669 هو الذي كان وراء اختفاء هذا الصرح الحضاري المنقطع النظير . وقد أخطأ الپروفيسور گيب عندما توهّم كسابقيه أن القصد بالزاوية إلى مدرسة أبي عنان فهذه شيء آخر . . . وقد تبعه على خطأه كل من اقتفى أثره : من مونطي وإصطيفان . . . فيض العباب ، دراسة د . محمد بن شقرون ، طبع دار الغرب الإسلامي - بيروت 1990 ص 206 - 218 النفح 5 ، 532 الاستقصاء للناصري ، طبعة البيضاء 1954 ، ج 3 ص 206 أزهار الرياض ج 3 ص 196 - 197 طبعة المغرب 1978 . تعليق 126 ج IV .